عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

38

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

الكريمات والأحاديث الصحيحات ، والآثار المشهورات ، والحكايات المستفيضات الصادرات عن العيان والمشاهدات من السلف والخلف ، وبلغت في الكثرة والشهرة في جميع البلاد مبلغا يخرج عن الحصر والتعداد . ثم إن كثيرا من المنكرين لو رأوا الأولياء والصالحين يطيرون في الهواء لقالوا هذا سحر ، أو قالوا هؤلاء شياطين ، لا شكّ أن من حرم التوفيق فكذّب بالحقّ غيبا وحدسا كذّب به عيانا وحسا ، كما قال اللّه تعالى وهو أصدق القائلين ( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) فوا عجباه ! كيف ينسب السحر وفعل الشياطين إلى الأولياء المقرّبين ، والأبرار الصالحين الزاهدين العابدين الصابرين الشاكرين الخائفين الراجين المتقين الورعين المتوكلين الراضين المخبتين العارفين المطهرين من الصفات المذمومات ، المتحلين بمحاسن الصفات المحمودات ، المتخلقين بأخلاق المولى جلّ وعلا ، المستمرّين في طاعة اللّه تعالى ، المتأدّبين بآداب الشريعة الشريفة والسنة الغرّاء ، المرتفعين عن حضيض الرخص إلى معالى عزائم ذروة العلى ، المقبلين على المولى المعرضين عن الدنيا ، بل وعن الأخرى ، الذين كنست بنفوسهم المزابل لما أماتوها لتحيا ، فأحياها الحىّ القيوم ، وجمال جلاله لقلوبهم تجلى لما جاهدوا في اللّه تعالى حقّ جهاده ، أنجز لهم ما وعدهم بقوله تبارك وتعالى ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) فيا ليت شعري من أولى بهذه الآية ، وبقوله تعالى ( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) وبقوله سبحانه ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) ، وبقوله عزّ وجلّ : ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا ، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) وبقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الصحيحين : « الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون » وهل هؤلاء أهل العزائم ، أم هم المترخصون ؟ وبقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ربّ أشعث أغبر » الحديث الصحيح المشهور ، وبقوله صلّى اللّه عليه وسلم لما رأى مصعب بن عمير رضي اللّه عنه متجرّدا في إهاب كبش دعاه حبّ اللّه ورسوله إلى ما ترون ، وبقوله صلّى اللّه عليه وسلم لما سئل عن الإحسان : « أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » الحديث الصحيح المشهور ، وهل هذا إلا للمراقبين الحاضرين ، وبقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن البذاذة من الإيمان » يعنى بها رثاثة الهيئة ، وترك فاخر اللباس ، وهل هذا إلا للمتقشفين الزاهدين وغير ذلك ، كحديث أويس رضي اللّه عنه ، وما كان فيه